الزراعة التقليديّة في فلسطين

Image of stone terraces near Ramallah

 

مقابلة مع سعد داغر

تقلّص القطاع الزراعيّ في فلسطين على مدى العقود الماضية، الأمر الذي كان قاسيًّا بشكل خاصّ حين يتعلّق بالمزارعين الفلّاحين الذين يستخدمون أساليب الزراعة التقليديّة والمستدامة. ففي الوقت الذي يتمّ فيه استيراد الفواكه والخضراوات من إسرائيل بشكل كبير، فقد أضعفت سياسات التنمية النيوليبراليّة والقدرة المحدودة على الوصول إلى الأرض والأسواق قطاع الزراعة الفلسطينيّ، وهو الذي تقلّ مساهمته أكثر وأكثر في الناتج المحلّيّ الإجماليّ. إنّ محاولات بناء زراعة صناعيّة موجّهة نحو التصدير وتنتج محاصيل تجاريّة وتستخدم المبيدات الكيماويّة قد أضرّت كثيرًا بالمنتجين الصغار[1]، مثلمّا أضرّتهم محاولات السلطة الفلسطينيّة لتحويل الاقتصاد الفلسطينيّ إلى اقتصاد خدمات. في حواري مع سعد داغر، أردت أن أعرف المزيد عن كيف أثرّت هذه التطورات على المزارعين التقليديّين بشكل خاصّ وكيف يمكن وقف انقراض هذه المهنة.

بداية، هل لك أن تقول لي ما هو بالضبط الذي يمكنك أن تطلق عليه وصف ’الزراعة التقليديّة الفلسطينيّة ‘؟ ما هو الفرق بين الزراعة ’على نطاق صغير‘ أو ’المستدامة‘ وبين أساليب الزراعة التقليديّة الفلسطينيّة؟ وما هو حال هذا القطاع؟

الفلاحة التقليديّة الفلسطينيّة في الواقع هي زراعة مستدامة، لكنّ هذا القطاع يواجه الكثير من المشاكل لأنّنا نخسر المعرفة ذات العلاقة في العديد من الحقول الأساسيّة. مثال واحد على ذلك هو إنتاج البذور المحلّيّة. كان المزارعون، في الماضي، يعرفون كيف ينتجون وكيف يحافظون على بذورهم، ويستخدمونها في سنوات متتالية. إذا سألت اليوم الجيل الأصغر، لما وجدت من يعرف كيف يقوم بذلك.

مثال آخر هو فقدان معرفة بناء السناسل والمحافظة عليها، فالسناسل كانت من الصفّات المميّزة للمشهد الطبيعيّ الفلسطينيّ. إنّها تحمي من انجراف التربة، وتسهّل على المزارعين زراعة أراضيهم وتحفظ المياه في التربة. في الماضي، كان كلّ مزارع في المناطق الريفيّة قادرًا على بناء هذه السناسل. اليوم، ليس من السهل إيجاد أناس يعرفون كيف يبنونها. إنّها ممارسة بسيطة، لكن بالطبع عليك تعلّمها أوّلًا.

تشذيب (تقليم) الأشجار وتحضير الأرض للمحاصيل البعليّة الصيفيّة هي من الأمثلة الأخرى على الممارسات التي نخسر معرفتها. هناك تقنيات خاصّة يجب توظيفها من أجل المحافظة على رطوبة التربة من أجل المحاصيل الصيفيّة البعليّة. حتّى إنّ بعض المصطلحات الخاصّة بهذه التقنيات باتت في حكم المفقودة إلى درجة أنّ العاملين اليوم في هذا القطاع لا يعرفونها. اعتاد كلّ مزارع أن يعرف هذه المصطلحات، وأيضًا كيف يحضّر الأرض، وخاصّة لماذا، أي السبب. هناك مصطلح خاصّ لأسلوب حراثة الأرض الذي كان يستخدم لتحضير التربة يسمّى ’شَقَّة فَرْخَة‘ للزراعة البعليّة الصيفيّة. كانوا يقولون "الآن عليك أن تحرث حرثة شقّة فرخة!". هذا يعني أنّ عليك أن تفتح التربة بشقّ أتلام وبعده أن تغطّي التربة المفتوحة مرّة أخرى بصفّ آخر، وهكذا تحافظ على التربة في مكان وضع البذرة أو الشتلة محميّة من الشمس. بهذه الطريقة لا تخسر التربة رطوبتها ولكنّها في ذات الوقت تحافظ على الحرارة الصحيحة في هذه المواضع حيث تزرع البذور. نحن اليوم نخسر مثل هذه الأمور.

في اعتقادك، ما هي الأسباب التي أدّت إلى خسارة هذه المعرفة؟

هذا بسيط للغاية – أحد الأسباب هو أنّ معظم الجيل الشابّ لم يعد يعمل في الزراعة. ثانيًا، الطريقة ’الحديثة‘ من الممارسات الزراعيّة تخلق التبعيّة. فهذه الطرق المكثّفة في الزراعة لا تعزّز المعرفة. تحصلين على وصفة من الشركة التي تبيعك البذور، تملي فيها عليك كيف تستخدمين السماد، وأيّ نوع من الأسمدة، وكم مرّة ترشّين المحصول. هذا يعني أنّ حتّى هؤلاء الشباب الذين ما زالوا يعملون في الزراعة، عادة ما يمارسون طرقًا لا تتطلّب أن يكونوا مبدعين. هناك تأثير كبير من طرف الشركات الكيميائيّة التي تفعل كلّ ما في وسعها لجعل المزارعين معتمدين على منتجاتها.

إنّ العدد الإجماليّ للمزارعين في تناقص واضح. فالناس ينتقلون إلى المدن للعمل هناك، مثلًا للعمل في الأجهزة الأمنية، أو المنظّمات غير الحكوميّة، أو الوزارات، أو البناء، وأنت أدرى.

Image removed.كتبت مقالا لكتاب خير بلادي: دليل الاستهلاك الأخلاقيّ في فلسطين والذي ستنشره قريبًا مؤسّسة هينرش بُل مكتب فلسطين والأردن[2]. ذكرت في هذا النصّ أنّ بإمكان الزراعة التقليديّة أن تؤثّر على البنى الاجتماعيّة في المناطق الريفيّة. باعتقادك، كيف يحدث هذا وكيف يمكن تقليل الأثر على سبل العيش؟

يوجد هناك تأثيرات مختلفة على العلاقات الاجتماعيّة. حين كنت صغيرًا كانت أمّي، على سبيل المثال،  تحضّر أحواض البذور لزراعة البندورة المحلّيّة والفلفل والباذنجان، إلخ. في أحوال كثيرة، كانت تحضّر واحدًا أو اثنين من هذه الأحواض، وكانت تحصل على البقيّة من الجيران في القرية. كانت تعطيهم شتلات البندورة وفي المقابل تحصل على شتلات الفلفل أو الباذنجان. وقد كان أهل القرية ينسّقون ترتيبات مَن سيزرع ماذا. كان لهذا أثر قويّ على الحياة الاجتماعيّة.

مثال آخر: كنّا كأطفال نساعد أهلنا في زراعة هذه الشتلات. هذا يعني أنّ حتّى الحياة الاجتماعيّة داخل العائلة كانت مختلفة، وكنّا نمضي سويًّا وقتًا أكثر ممّا هو عليه الحال اليوم. كان المزارعون يقطفون ثمارهم يدويًّا، وكل ّعائلة تساعد العائلات الأخرى خلال الحصاد والحرث. كنت جزءًا من هذه العملية حين كنت صغيرًا. كانت عائلتي تملك بغلًا للحرث شأنها شأن غيرها من الجيران والمعارف، لذا كنّا نخرج سويًّا ونعمل معًا. بدأ الآن بعض المزارعين باستخدام مبيدات الأعشاب بدلًا من الحرث، وبالتالي اختفى هذا الجانب الاجتماعيّ من التفاعل سواء داخل العائلة أو بين العائلات.

مَن هم المزارعون الذين ما زالوا يستخدمون الأساليب التقليديّة؟

إنّهم أولئك الذين لا يريدون العمل لصالح غيرهم، إنّهم ذوو الشخصيّات المستقلّة. إنّهم أناس يرغبون بأن يملكوا وقتهم، أن يعملوا من أجل أنفسهم وليس من أجل الغير. إذًا فما زال هناك ناس مثل ذلك، لكنّهم قلّة. في قريتي لم يعد هناك سوى أربعة أو خمسة فقط.

بعض العائلات اليوم لا تزور حقولها إلّا في موسم قطف الزيتون، بل والبعض لا يذهب حتّى حينها بل يؤجّرون الأشجار أو يمنحوها للغير لقطفها لهم. بعض الناس لم يعد يعرف حتّى حدود حقولهم.

لحسن الحظّ، خلال السنوات العشر الماضية، ظهر بعض الناس الذين يعودون للزراعة التقليديّة بمساعدة بعض البرامج في المنظّمات غير الحكوميّة مثل لجان الإغاثة الزراعيّة أو مركز معًا للعمل التنمويّ، وغيرهم من المؤسّسات التي تعمل على استصلاح الأراضي وإعادة تأهيلها. إنّه تغيّر ملحوظ ولكن لا يمكنك بعد القول بأنّها حركة. إذا استمرّت جهود التنمية مثلما هي اليوم فقط، فلا بدّ أن تموت الزراعة التقليديّة.

كنّا، في سنوات الخمسينيّات، نصدّر القمح للأردن ودول الخليج. اليوم بالكاد نغطّي 4 إلى 5 بالمائة من احتياجنا من القمح. كنّا نصدّر البطّيخ والبندورة والبرتقال والليمون والموز. اليوم ننتج القليل القليل منها. فإذا استمرّ الأمر على هذا الحال، فلن يكون بوسعنا إطعام أنفسنا. أحد الأسباب هي بالطبع القدرة المحدودة جدًّا على الوصول إلى المياه والأرض منذ سنة 1967. لكنّ هذا السبب هو سبب واحد فقط من الأسباب. في قريتي ’مزارع النوباني‘  كنّا ننتج قمحًا أكثر مما نحتاج، فقط باستخدام أساليب الزراعة البعليّة ودون أيّ ريّ. كما كنّا ننتج أكثر ممّا نحتاج من زيت الزيتون، والتين، والعنب، واللوز، بالإضافة إلى أنّنا كنّا ننتج جميع أنواع الحبوب والبقول. أكثر من 80% من البيوت كان لديها خراف وأغنام. الآن لا شيء. في هذه الحالة، ليس الأمر متعلقًا بالماء أو القدرة على الوصول إلى الأرض، لأنّ لا شيء من هذا القبيل قد تغيّر في قريتي. اليوم فقط شخص أو اثنان ينتجان القمح والبقول، ولا أحد ينتج التين المجفّف. أكثر من 98 إلى 99 بالمائة من التين قد اختفى، وكذا اللوز. كلّ ما تبقى فقط هو الزيتون. لقد انخفض التنوّع البيولوجيّ الزراعيّ بشكل كبير.

ما الذي تعتقد أنّه يجب أن يتغيّر من أجل عكس هذه التنمية؟ أو بالأحرى، هل تعتقد أنّه يجب عكسها؟

بالطبع يجب عكسها، لكن من أجل العودة إلى الوراء، يجب أن يعاد التفكير في الأمور. لقد طرأ تغيير كبير على حياتنا منذ الخمسينيّات. كلّ منّا عنده خلويّ أو اثنان، الانترنت، والعديد من الأجهزة الإلكترونيّة، إذًا فالجميع بحاجة إلى المال لشحن هواتفهم النقّالة ودفع ثمن الكهرباء، والماء وكلّ شيء آخر. الناس الآن بحاجة إلى مصدر ثابت للدخل.

من أجل إعادة الناس إلى أراضيها ومزارعها، نحتاج إلى استراتيجيّة تجعل الزراعة أكثر ربحًا وقادرة على إدرار الدخل، وفي ذات الوقت العمل على تحويل المناطق الريفيّة إلى مناطق جاذبة للشباب. الشباب بحاجة إلى بنية تحتيّة خاصّة، وهذا هو السبب وراء تركهم قراهم وانتقالهم إلى المدن مثل رام الله. فالمناطق الحضريّة أكثر جذبًا بالنسبة إليهم.

باعتقادك، كيف يمكن للمستهلكين أن يساعدوا في إحداث مثل هذه التغيّرات؟

يمكننا فعل الكثير. يحتاج المنتجون الصغار إلى دعمنا، وهذا يبدأ، ببساطة، بشراء منتجاتهم – بسعر عادل. يجب أن ندعم بعض المبادرات الجيّدة في القرى، والتعاونيّات، وغيرها من الأماكن. لديّ العديد من الأصدقاء الذين يعيشون من الزراعة، لكنّهم يواجهون مشاكل في التسويق لأنّ الناس لا يعرفون عنهم وهم لا يعرفون كيف يصلون إلى الزبائن. لماذا لا نبدأ – أو بالأحرى نستكمل العمل، حيث إنّ البعض قد بدأ العمل في هذا الاتّجاه – بالارتقاء بالسياحة البيئيّة الفلسطينيّة؟ لماذا لا نذهب إلى القرى بدلًا من المكوث في فنادق القدس ورام الله؟ هذا يخلق فرص عمل ودخل. السياحة البيئيّة تساعد الناس على تسويق منتجاتهم، ويمكنها أن تجعل من القرى أماكن أكثر جذبًا للأجيال الشابّة.

ليس لدينا مؤسّسات ولا وزارات تدعم المبادرات التي تعمل في هذه القضايا. نحتاج إلى مبادرات مثل شراكة[3] في كلّ مدينة، ونحتاج إلى العديد منها. لكنّنا نحتاج أيضًا إلى جمع كلّ هذه المبادرات الجيّدة الموجودة حاليًّا، وها نحن نعمل على ذلك. يوجد هناك حركة "القرية البيئيّة الفلسطينيّة" أعمل معها الآن، ونحن نحاول خلق حركة في فلسطين قادرة على لمّ جميع هؤلاء الناس.

كنت أعمل مع جمعيّة المهندسين الزراعيّين العرب الفلسطينيّة، وما زلت أدعمهم متطوّعًا كونهم بصدد إنشاء مزرعة للزراعة البيئيّة في قرية فرخة قرب سلفيت. كما سيقومون في ذات الوقت بتأسيس عشرة حدائق بيئيّة بيتيّة، ويخطّطون لإنشاء نظام إدارة النفايات الصلبة بهدف تحويل كامل النفايات العضويّة في القرية إلى سماد. يمكن بعد ذلك أن تتحوّل المزرعة إلى مركز تدريب ونموذج للآخرين. خطّتنا هي تحويل فرخة إلى قرية بيئيّة.

إذًا يوجد هناك بعض الجهود فيما يتعلّق بالعمل الجماعيّ والفرديّ لمواجهة التدهور في الزراعة التقليديّة المستدامة في فلسطين. لكن يمكن لكلّ واحد منّا أن يقدّم مساهمات صغيرة من خلال تغيير طريقة التفكير فيما نأكل.

سعد داغر هو مهندس زراعيّ وبيئيّ متخصّص في الزراعة البيئيّة، وهي قضيّة دراسيّة وتطبيقيّة تتقاطع كثيرًا مع الزراعة المستدامة. لقد أسّس مؤخّرًا مزرعته الخاصّة، وهو، إلى جانب العديد من ارتباطاته التطوّعيّة، مدرّس يوغا ذو خبرة طويلة.

The interview was first published in This Week in Palestine's May 2015 issue.


[1]  انظر Aisha Mansour (2013): “Donor Interventions in Palestinian Agriculture: Helping Hand? Or Slap in the Face?”

[2]  لقد أفردت مجلّة ’ذيس وييك إن باليستاين‘ مكانًا لهذا الكتاب في عدد نيسان 2015.

[3]  شراكة مبادرة مجتمعيّة لحفظ الموروث الزراعيّ هي مبادرة يقودها متطوّعون تعمل نحو السيادة الغذائيّة في فلسطين.